فخر الدين الرازي

54

شرح عيون الحكمة

وإذا عرفت هذا فنقول : مرادنا من التطبيق المذكور هذا القدر . ومعلوم : أن هذا لا يحتاج في ثبوته إلى الجر والدفع . وحينئذ نقول : أما أن يحصل في مقابلة كل مرتبة من المراتب الحاصلة في الجملة الزائدة مرتبة تساويها في الجملة الناقصة أو لا تكون كذلك . فإن كان الأول لزم أن يكون الزائد مساويا للناقص ، وان كان الثاني فحينئذ تصير الجملة الناقصة متناهية ، والفضلة أيضا متناهية . فتكون الجملة متناهية لا محالة . ولقائل أن يقول : انا إذا أخذنا مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا نهاية له في طرف الزيادة جملة . وأيضا : أخذنا مراتب الأعداد من العاشر إلى ما لا نهاية له في طرف الزيادة . جملة أخرى . ثم قابلنا الأول من هذا بالأول من ذاك والثاني من هذا بالثاني من ذاك . فعلى هذا التقدير يلزم القول بكون الأعداد متناهية في طرق الزيادة . وان هذا محال . وأجيب أن يجيب فيقول : الفرق بين البابين أن هاهنا الأجسام التي لا نهاية لها لما كانت موجودة كانت الأشياء التي لا نهاية لها موجودة ، وحينئذ يحصل التطبيق بحسب المراتب في نفس الأمر . بخلاف مراتب الأعداد ، فإنه لا وجود لها في الخارج . وذلك ظاهر . ولا في الذهن لأن الذهن لا يقوى على استحضار ما لا نهاية له على التفصيل . وإذا كان لا وجود لهذه المراتب غير المتناهية في الأعداد ، ولا « 3 » جرم لا يحصل التطبيق فيها في نفس الأمر ، لم « 4 » يلزم تناهيها . فظهر الفرق . ( وأما ) السؤال الثاني : وهو المعارضة بالنفوس الناطقة . فجوابه : أن الحكماء قالوا : كل ماله ترتيب في الطبع أو في الوضع ، فدخول ما لا نهاية له فيه محال . وكل ما لا يكون كذلك ، فدخول ما لا نهاية له فيه غير ممتنع . والنفوس الناطقة ليس فيها ترتيب لا في الوضع ولا في الطبع . فظهر الفرق . قال بعض المتكلمين : هذا الجواب في غاية الضعف . لأن هذا الدليل مداره على حرف واحد . وهو أن الجملة الناقصة تنقطع حال ما تكون

--> ( 3 ) لا : ص . ( 4 ) فلم : ص .